المَاضي يُنْصَبْ
خواطر حول نفسية النصر و الهزيمة
*
بينما أنا أتحدث الى تلك الأمريكية من الزنوج التي أتت الى السودان في مهمة محددة الزمن , قادنا الحوار الى الكتب و المكتبات , حدّثتني عن ماضيها مع الكتب و المكتبات , حكت عن حبها لقراءة الكتب في بيئة , في ذلك الزمن , كانت تعتبر أن الكتب و المكتبتات اشياءُ تخصُّ البيض ولا يرقى لها عقل الزنجيّ. كانت تحكي بشوق المنتصر الى ماضيه , حيث لا يجوز أن يشتاق الانسان الى زمن كان يشعر فيه بالعجز و الخوف و القهر, تبعا لعُرفنا للتركيبة النفسية للإنسان على الأقل , أو ما يبدو عليه الامر.
*
بينما نتحدث , في يوم ما , عن فكرة تغيير أسماء الأماكن و الشوارع تبعا لتحولات السلطة و السيطرة , حتى تعكس رؤى المنتصر في تلك الحقبة , شئ على ما يبدو ابتدعه الإسلاميون خلال ثلاثينتهم و سار على خُطاهم الناس حتى بعد ذهابهم. أتى على ذكر الموضوع كيف أن البريطانيين و بعض الأوروبيين يُحيُون ذكرى تلك المعارك التي خسروها ضد المحور إلى يومنا هذا, يتجمعون و يحييون ذكرى الهزيمة في المعركة الفلانية ! و يذكرون القتلى و الجنود و يحتفون بالتضحيات , كيف يستقيم هذا في عُرفنا النفسي الذي لا يقبل إلا الانتصار ؟ و إحياء الذكرى ينبع من شوق لها , وليس الشوق دوما شوقَ رجوع, قد يكون شوق إحياء للنفس و تذكيرا لها, استدراجا للمعنى و حفاظا على خِفّة الماضي في الحاضر, شئ قد تكون في أمس الحاجة له و انت منتصر.
*
اليوم نطمس على ماضينا
بينما نتحدث , في يوم ما , عن فكرة تغيير أسماء الأماكن و الشوارع تبعا لتحولات السلطة و السيطرة , حتى تعكس رؤى المنتصر في تلك الحقبة , شئ على ما يبدو ابتدعه الإسلاميون خلال ثلاثينتهم و سار على خُطاهم الناس حتى بعد ذهابهم. أتى على ذكر الموضوع كيف أن البريطانيين و بعض الأوروبيين يُحيُون ذكرى تلك المعارك التي خسروها ضد المحور إلى يومنا هذا, يتجمعون و يحييون ذكرى الهزيمة في المعركة الفلانية ! و يذكرون القتلى و الجنود و يحتفون بالتضحيات , كيف يستقيم هذا في عُرفنا النفسي الذي لا يقبل إلا الانتصار ؟ و إحياء الذكرى ينبع من شوق لها , وليس الشوق دوما شوقَ رجوع, قد يكون شوق إحياء للنفس و تذكيرا لها, استدراجا للمعنى و حفاظا على خِفّة الماضي في الحاضر, شئ قد تكون في أمس الحاجة له و انت منتصر.
*
اليوم نطمس على ماضينا
أضاف الفضاء الإسفيري ميزات جعلت من القدرة على تذكر الماضي أمرا سهلا للغاية , بالنظر الى طبيعة البشر و ميولهم لمشاركة كثير من تفاصيل حياتهم و أفكارهم فيه. و لكن كما نعلم جميعا هنا , أن الانسان يميل في الغالب, الى إخفاء ما تيسر من منشورات و صور و غيرها من الماضي الذي لم يعد يفخر به.
المدهش أن ذكرياتنا عن الماضي ( الصادرة عن ذاكرتنا البيولوجية و ليس تطبيقات مواقع التواصل ) هي ذاتها تتغير أحيانا وفقا , لميولنا النفسية و ما نريده أن يَصِح , إن للعقل قدرة على خداعنا بطريقة بارعةٍ لإرضاء غرورنا , أذكر في هذه اللحظة , أحد معارفي الذي دائما ما يحكي أو يقسم على حالة معينة كان عليها , و نحن كلنا شهود على عكسها , أحيانا يصل بالعقل الأمرُ لأن يُنْسيك صور الماضي تماما أو يجعله غير واضح المعالم على الأقل, حتى يريحك من عناء تحمل ذلك الشعور الثقيل بأنك مثلك مثل جميع الناس, لم تكن دوما على هذه الحالة الجيدة من الشكل و المضمون .
افكر في هذه واسطصحب في ذهني العجلة التي يسعى بها بعض الناس الى طمس هوية ثلاثينية الإنقاذ بكل طرق ممكنة من اعادة تسميات لكل ما يمكن لهم ان يعيدوا تسميته,ليعكس القوة, الجبروت و الانتصار, بدلا عن سنين من رضى ثم خضوع ثم قهر لحكم دكتاتوري ظالم.
افكر في هذه واسطصحب في ذهني العجلة التي يسعى بها بعض الناس الى طمس هوية ثلاثينية الإنقاذ بكل طرق ممكنة من اعادة تسميات لكل ما يمكن لهم ان يعيدوا تسميته,ليعكس القوة, الجبروت و الانتصار, بدلا عن سنين من رضى ثم خضوع ثم قهر لحكم دكتاتوري ظالم.
*
الناظر الى مشاركة الناس بعضهم بعضا لأخبارهم و قصصهم و معظم أمور حياتهم , واقعا أو اسفيرا , يتفق الى حد ما انه يغلب عليها مشاركة الانتصارات , مشاركة السعادة , نحن نجد الأمر من السهولة بمكان , أن نشارك انتصاراتنا , و لكننا نصارع أنفسنا حين يأتي الأمر الى (اعلان) الهزائم , حين يأتي الأمر الى الرفض و الفقد و عدم النجاح في الوصول الى شئ ما. المشاركة تتطلب اعترافا و تحملا لألم الذكرى, فالذكرى تموت أسرع حين تكون حبيسة عقل واحد.
بالطبع المقاييس هنا ليست موحدة , ففقدان شخص قريب بسبب الموت , ليس كفقدانه بسبب هجره لك على سبيل المثال , لن تصعب عليك مشاركة الأولى في غالب الأمر, لأنها ليست مرتبطة بخلل فيك او نقص , خارجة عن حدود بشريتنا التي نعرف على الأقل, و لكن الثانية , الثانية عصية على القبول ناهيك عن المشاركة . النظام نفسه الذي يرتب حياتنا , واقعا أو اسفيرا مصمم بحيث يجعلك تشارك فقط ما تنجح في تحصيله . على فيسبوك مثلا : يمكنك أن تذكر الجامعات التي درست بها و لكن لا يمكن أن تعدد الجامعات التي رفضتك . كذلك هي الحياة الواقعية , اننا نحدث الناس عن الوظائف التي بدأناها و نقدم لهم جزءا من المرتب في شكل ( عزومة ) وما الى ذلك , و لكننا لا نحدثهم عن تلك التي لم نسمع منهم قط بعد أن ارسلنا لهم أوراقنا, لنتركها طي كتمان ثم نسيان.
بالطبع المقاييس هنا ليست موحدة , ففقدان شخص قريب بسبب الموت , ليس كفقدانه بسبب هجره لك على سبيل المثال , لن تصعب عليك مشاركة الأولى في غالب الأمر, لأنها ليست مرتبطة بخلل فيك او نقص , خارجة عن حدود بشريتنا التي نعرف على الأقل, و لكن الثانية , الثانية عصية على القبول ناهيك عن المشاركة . النظام نفسه الذي يرتب حياتنا , واقعا أو اسفيرا مصمم بحيث يجعلك تشارك فقط ما تنجح في تحصيله . على فيسبوك مثلا : يمكنك أن تذكر الجامعات التي درست بها و لكن لا يمكن أن تعدد الجامعات التي رفضتك . كذلك هي الحياة الواقعية , اننا نحدث الناس عن الوظائف التي بدأناها و نقدم لهم جزءا من المرتب في شكل ( عزومة ) وما الى ذلك , و لكننا لا نحدثهم عن تلك التي لم نسمع منهم قط بعد أن ارسلنا لهم أوراقنا, لنتركها طي كتمان ثم نسيان.
.ربما, ثمة حكمة ما من هذا , ربما مشاركة الاخفاقات هي أكبر من قدرتنا على النجاة في هذا العالم , و ربما تكمن نجاتنا فيها
*
كذلك حالنا مع الثلاثين عاما التي تسمى الانقاذ,هي صنيعتنا التي نرفض الآن الاعتراف بها, و نسعى لطمسها من نفوسنا قبل مؤسساستنا, نرفض أن نعترف ان هذه البلاد ليست أرض الله المختارة كما تم تدريسنا و خداعنا في الاعلام و من أين أتى هؤلاء! و الناس في بلدي يصنعون الحب و الحرب معا, يصنعون الترابي و نميري و البشير و قوش كما صنعوا الطيب صالح و غيره من . السودانيين الذين ينظر لهم معظمنا بفخر, في الحد البسيط لفهمنا للامور. يصنعون شوارع الاسفلت و الكباري و المستشفيات و مراكز خدمات الجمهور و يبنون قصورا لأنفسهم بنفس المصادر , يبنون المساجد و يسرقون المال العام , يحفظون القران و يقتلون النفس التي حرم الله يتحدثون عن الشرف و يمارسون العهر, و يطمسون سنينا لم تكن لتأتي لولا ان وجدت دعما شعبيا قائم على ذات الفكر و التركيب النفسي الذي جلبها , ثم يتبرأون منها براءة الذئب من دم يوسف .
الظن ان السعي لطمس الماضي هو ما يسبب داء النكران هذا, و ما يبطئ من عملية الشفاء, و يجعلك تتسائل مستنكرا من أين أتى هؤلاء ؟
*
*
كذلك حالنا مع الثلاثين عاما التي تسمى الانقاذ,هي صنيعتنا التي نرفض الآن الاعتراف بها, و نسعى لطمسها من نفوسنا قبل مؤسساستنا, نرفض أن نعترف ان هذه البلاد ليست أرض الله المختارة كما تم تدريسنا و خداعنا في الاعلام و من أين أتى هؤلاء! و الناس في بلدي يصنعون الحب و الحرب معا, يصنعون الترابي و نميري و البشير و قوش كما صنعوا الطيب صالح و غيره من . السودانيين الذين ينظر لهم معظمنا بفخر, في الحد البسيط لفهمنا للامور. يصنعون شوارع الاسفلت و الكباري و المستشفيات و مراكز خدمات الجمهور و يبنون قصورا لأنفسهم بنفس المصادر , يبنون المساجد و يسرقون المال العام , يحفظون القران و يقتلون النفس التي حرم الله يتحدثون عن الشرف و يمارسون العهر, و يطمسون سنينا لم تكن لتأتي لولا ان وجدت دعما شعبيا قائم على ذات الفكر و التركيب النفسي الذي جلبها , ثم يتبرأون منها براءة الذئب من دم يوسف .
الظن ان السعي لطمس الماضي هو ما يسبب داء النكران هذا, و ما يبطئ من عملية الشفاء, و يجعلك تتسائل مستنكرا من أين أتى هؤلاء ؟
*
لو كان الأمر بيدي, لتركت شارع الانقاذ كما هو, لتركت الساحة الخضراء كما هي , و لطليت دور المؤتمر الوطني اخضرا على اخضرها و جعلتها مزارا للناس, لجعلتها رمزا لأسباب هزيمتي, و زرتها كل حين تفاديا للنسيان , فالنسيان يولد الأخطاء, لأن الأخطاء لا تفنى و أيضا لا تستحدث من العدم , كما علمتنا سنين ليست بالطويلة في هذه الحياة, الأخطاء تعيد نفسها مرارا و تكرارا, و النسيان وليد الهروب, وليد اختيارنا لأسهل الطرق لتخطي الفشل و الهزيمة ( تخطيا بما يشبه مكمدات الحمى ), وليد حبنا للآني و عجزنا عن الانتظار , فالآجل يصيبنا بهوس رصد الاحتمالات كما قال درويش, أكاد أظن احيانا ان الآجل هو الامانة التي عرضت على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها
فلننصب للماضي التذكار و لنحتفي به, بنصره و هزائمه , لنعلن أنفسنا بشرا عاديين , نخطئ و نصيب, ( ونقع و نقوم زي ما قال حمدوك ) لسنا خارقين للعادة أو استثنائيون, تشهد لنا العديد من الأعوام و الحوادث بالخضوع للظلم و الديكتاتورية و معاونتها, تشهد لنا الحوادث بالأنانية أحيانا, و تشهد لنا بالخوف و الجبن, مثلما تشهد حوادث و أعوام اخرى على الشجاعة و الحلم و التعاون و الايثار, مثلنا مثل كثير من البشر الذين ما أصلحوا و تساموا فوق الجراح الا بعد تعرضهم للهزائم الجماعية و اعترافهم بها.
]
فلننصب للماضي التذكار و لنحتفي به, بنصره و هزائمه , لنعلن أنفسنا بشرا عاديين , نخطئ و نصيب, ( ونقع و نقوم زي ما قال حمدوك ) لسنا خارقين للعادة أو استثنائيون, تشهد لنا العديد من الأعوام و الحوادث بالخضوع للظلم و الديكتاتورية و معاونتها, تشهد لنا الحوادث بالأنانية أحيانا, و تشهد لنا بالخوف و الجبن, مثلما تشهد حوادث و أعوام اخرى على الشجاعة و الحلم و التعاون و الايثار, مثلنا مثل كثير من البشر الذين ما أصلحوا و تساموا فوق الجراح الا بعد تعرضهم للهزائم الجماعية و اعترافهم بها.
]
ولعل بعض الهزائم صالح لبلوغ البشر مرحلة النضج المعنوي والأخلاقي، ولعل بعض الانتصارات أخطر على البعض من الهزيمة لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء إلى صوت الزمن
درويش [
Comments
Post a Comment