عناق الهويات

 ما دفعني لفتح مدونتي و بدأ الكتابة هو مقال لعبدالله علي ابراهيم عن مشكلة حدثت في ريف مصر بين شاب مسيحي و اخرين مسلمين حول الرسوم المسيئة للرسول محمد.

الاستاذ عبدالله علي ابراهيم في حديثه عن ما احدثته العولمة من ضرر على النسيج الاجتماعي كتب قائلا:

في مناسبة عيد الأضحى نشرت جريدة "البديل" المصرية (8-12-2008) ملحقاً غاية في النفع والطرافة عن "الهوية من أسفل". ونعني بها عناق الهويات بين غمار الناس وهجنتها بخلاف الصفوة التي تستوجب صفاء الهويات بلا عكر وتستنكر مزجها الذي يعد خيانة للجماعة. فالهوية بين غمار الناس حالة "انبعاج" لا أول لها ولا أخر لا تعرف متى بدأت أو إلي أين تصير. ويتشكل الوطن في طياتها لا بمعزل عنها. وأهم تاريخ لها هو الحاضر في الرزق وكسب العيش.

ذكرني هذا الذي قرأت خاطرة كتبتها في مدونتي الاخرى عن علاقة الثقافة و البناء الاجتماعي بالأفكار و كيف يمكن ان تشكلها. في تلك المدونة الحديث كان عن مقال تطرق ل الفرق في طرق التفكير بين ثقافتين على تضاد فيما يتعلق بالبنية الاجتماعية من حيث ثقافة الجماعية  و الفردانية, و السمات العامة للتفكير في الثقافة الجماعية التي ترى العالم من خلال الكليات, التناغم بين الأجزاء فيما يحقق تماسك الكل, ترى العالم كوحدة متصلة لا كقطع منفصلة, التفكير عند هؤلاء يكون متصلا و مستمرا بذات القدر, يسعى ليناغم بين  المختلفات و لا ينفر من المتناقضات بل يعدها جزءا من الطيف بل قد تكون ضرورة لاستمراره.

استمعت قبل فترة لجزء من محاضرة , كان عنوانها غريبا في بادئ الأمر , الشئ الذي دفعني الى مخالفة عادتي في ممارسة الكسل و  الغاء اي نية اكنها لحضور محاضرة ما و الالتزام . المحاضرة كانت تتحدث عن الهوموفوبيا ( لا أعرف ما ترجمتها و اواجه مشكلة في كتابتها بالانجليزية حاليا) , جذور الهوموفوبيا في بلدان شبه الجزيرة الهندية و علاقتها بالاستعمار البريطاني لشبه الجزيرة الهندية. 

المتحدثة في المحاضرة كان لديها ادعاء واضح حول تسبب الاستعمار في حالة الهوموفوبيا في الهند و قد ذكرت الكثير من الأدلة التاريخية التي تتضمن احداثا و حقائق تاريخية و فنون و تماثيل رسمت قبل عهد الاستعمار تشير الى تقبل المجتمع الهندي قديما لحالات المثلية كجزء من المجتمع , و نظرة المجتمع للمثليين على حد قولها يمكن وصفها بأنها عادية على أقل تقدير , نظرة متقبلة لهم كجزء من  المجتمع مما جعلهم جزءا من الموظفين و العمال و اصحاب المهن و القائمين على امر عدد من الأدوار المهمة في المجتمع. و عرضت صورا لتماثيل في الهند تصور المثليين بتقبل بل و احتفاء كما تقول المتحدثة. تحدثت كثيرا عن ان الاستعمار سعى لتغيير الجذور الثقافية  للهند باستخدام القوة والترهيب و ارتكاب المجازر في حق المدنيين الهنود بغرض غسل ادمغتهم و حقنها بثقافة جديدة , ثقافة الاستعمار البريطاني في السلوك و الافكار و القيم. كانوا يقيمون المجازر في حق المثليين على حد قول المتحدثة و يسعون لانقراضهم و اخافتهم اما عن طريق العقوبات أو تغيير نظرة المجتمع اليهم, لم أفهم بصدق كل ما ذكرته من افكار و ادلة و لكني فهمت الفكرة العامة من حديثها. طبعا هي كانت في الأصل تريد ان تستنكر صراخ الغرب على دول العالم الثالث حول الانسانية و الحقوق و تقبل الأقليات و حمل الغرب لراية استرجاع حقوق الاقليات التي في الأصل منعها الغرب حقها بالاستعمار و الارهاب و سلب الشعوب ثقافاتها و غسل ادمغتها. 

 مثال الاستعمار الهندي هذا يسقط الضوء على الفكرة المذكورة انفا حول حالة الانبعاج الفكري و الهوياتي المذكورة في مقال عبدالله علي ابراهيم و تأثير العولمة و التفكير الصفوي عليها و مقاربتها ب الاختلاف في شكل  و طرائق التفكير بين ثقافات الغرب كمثال  للتفكير ذو الطابع ال"منطقي, التحليلي" المتقطع وثقافات الشرق كمثال للتفكير المتصل , الوحدوي اذا صح التعبير. الصفوة كطبقة  متأثرة, غالبا, بالأفكار فوقية الاتيان, المستوردة  و العالمية خاصة في وضع مثل وضعنا الحالي لمنطقة ضعيفة مسلوبة الارادة و الفكر تتخبط في وسط امواج التنكولوجيا, التمدن و العولمة برعاية حصرية للثقافة الغربية. من المفهوم ان تمثل الصفوة هنا التفكير الغربي بكل سماته الرافضة للانبعاج و التمازج بين المتناقضات و المختلفات , نافرة من الثقافة العامية التي تجد سبيلا لعناق الهويات و تهجينها بما يحقق التناغم الكافي لاستمرار الحياة  و كما قال عبدالله علي ابراهيم تجد هذا العناق حاضرا في الرزق و كسب العيش.

المثقف المتأثر بالتفكير الغربي و بما اوتي من ادوات العولمة, ينظر لحالة الانبعاج و العناق المنطلقة من تناغم لم يعرفه ( بتشديد الراء) الناس بالكلمات و المصطلحات المعقدة , و لم يكتب في كتب المنظمات الدولية و جلسات الاصولية الدينية , كتخلف او رجعية يجب انتشال الناس منها , و الرجوع هنا اما عن الحداثة و التنوير و اما عن الجنة و الله . و هذا  الانتشال يتمظهر في اتجاهين  يبدوان لك ابتداء على طرفي نقيض و لكن بهما من التشابه اكتر مما يظهر على الألسنة. الاتجاه الاول هو الاتجاه الرافض لمظاهر الاختلاف " كحالة اختلاف الدين أو اختلاف الرأي فيما يعد محرما الاختلاف فيه على سنة الرافض" مما يدعوه للسعي لتغيير المجتمع و جعله اكثر قربا للصلاح و التقوى ببث الأفكار التي تضيق مساحات التناغم و التماهي مع المختلف وتشدد على ضرورة صفاء الهوية و ازالة كل شوائب الهجين المجتمعي بين اصحاب الهويات الثقافية و الدينية المختلفة , لابد للأشياء ان تعرف باسم واحد و صفة واحدة و هوية واحدة و دين واحد و ذلك اقرب للتقوى. و الاتجاه الاخر هو الحديث عن حقوق الاقليات المظلومين من اصحاب الهويات الدينية , الثقافية و حتى " الجنسية" المختلفة  و شن الحرب على المجموعة الأولى في قهرها لهم, مستقوية بالسلطة السياسية والاقتصادية و مظاهر العولمة التي تتسلل للمجتمعات دون اذن بدعوى انهم اقرب للانسانية و السمو الفكري  و انهم يأخذون بيد الناس الى الخير و الصلاح, و هنا نستطيع ان نرى نظام التفكير المتقطع الذي لا يلبث الا و يضع التعريفات و الاسامي و الدباجات على رأس كل شخص لتعريفه بهوية محددة وانتماء محدد ومن ثم بعد الانتهاء من التعريفات و التسميات يأتي ليقول لابد للناس ان يتقبلوا بعضهم و يحترموا بعضهم و يحفظوا الحقوق الانسانية ... الخ . هذا التفكير ذا الطابع المتقطع الذي يرى العالم كقطع البناء  في لعبة الاطفال التي يتم تركيبها فوق بعض حتى تصبح بنيانا كاملا يبدو و كأنه منجاة لنا من التحارب نحو التسامح و لكنه يترك شعرة معاوية بينهما . النظرة للعالم كقطع متناثرة منفصلة عن بعضها البعض يجب تعريفها بدقة و بخطوط عريضة واضحة ومن ثم الحديث عن تركيبها و الصاقها مع بعضها ينتج في ذاته نظاما لايفهم التمازج و الاستمرارية فيما لا يمكن تعريفه باسم أو تحديده بخط, و يترك للسياق امر البناء و التركيب فيه بلا وصفة مكتوبة , يرى آخرا في كل , و لكن يختلف في خطابه للآخر , تحت تأثير القداسة , التاريخ , و احيانا عقدة الذنب ربما ( كحالة الهند المذكورة سابقا) . جذور التفكير هذه نابعة من المجتمعات الفردانية كالمجتمعات الغربية بتفسيرات المقالات التي تتحدث عن تأثير التركيبة الاجتماعية و الثقافية على طرق التفكير , أو بتفسير عبدالله علي ابراهيم نابعة من   العولمة , وما العولمة الان الا نتاج تفكير الثقافة الغربية و طرق تفكيرها التي لا تختص  بيمين او يسار , كلاهما يتأثران بها و يران العالم من خلالها.

لدي ظن , ربما غير مبرر بما يكفي, ان هذه الأفكار لا تستطيع ان تؤدي الى تناغم و عناق اجتماعي بالشكل المطروح اليوم و المستقوي بالأدوات الاقتصادية و التنكولوجية و المتكئ على الابتزاز و الاستلاب كعصاة يفتح بها طريقه نحو الشعوب و يهش بها على الأفكار  .المعارضة,  لكن في الحقيقة تظل رؤيتي قاصرة جدا لنقص التجربة و القراءة و شوف العين .  

السؤال هنا هل الهوية من أسفل التي لا اول لها و لا اخر, لا تعرف متى بدأت و اين تصير , هي خاصة بغمار الناس في كل مكان ؟ ام بالمجتمعات الافريقية و الشرقية , وما شابهها,  ذات انماط التفكير الوحدوية المتصلة؟ 

 

  Because the Western civilization is dominated by dualistic thinking, holistic scientists and philosophers don't get the recognition they deserve.

https://www.azquotes.com/quote/1473337 

 

Comments

Popular posts from this blog

مناجاة من وراء حجاب ؟

إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ

المَاضي يُنْصَبْ