هذي خديجة لا تُقاس بغيرها
من أول من أسلم؟ أنت على وشك أن تقول أبو بكر الصديق أو علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. لكن دعني أصحّح لك: إنها خديجة بنت خويلد. أنا لم أسأل من أول من أسلم من الرجال، ولكن، بناءً على تجربتي مع كل من سألتهم من قبل، ذهب ذهنك مباشرةً إلى أحد الرجال.
هذي خديجة لا تُقاس بغيرها
خديجة بنت خويلد رائدة أعمال، امرأة مشهورة جدًا، ناجحة وغنية من نساء مكة. تزوّجت مرتين قبل أن تصبح أولى أمهات المؤمنين. من أسرة ذات علمٍ ودين، ;كما قرأت و سمعت على الاقل، تدير أعمالها بنفسها، وأمثالها لم يكنّ كثيرات في مكة.
لكن قصة خديجة كثيرًا ما تُختصر في هذا وحده: أنها كانت أكبر من النبي سنًّا حين تزوّجها. وهذا كل ما أخذناه من سيرة أكمل النساء. تُرى، لماذا؟ لا أعرف.
هذه المرأة، خديجة بنت خويلد، لم تعش في وقتٍ كان الإسلام فيه قويًّا عزيزًا، وللمسلمين فيه الشوكة الأعلى. بل عاشت مع النبي في زمن العنَت والمقاطعة والألم، والصبر على البلاء والقلّة والتباعد. انقلبت حياتها رأسًا على عقب: من امرأةٍ غنيةٍ ذات حسبٍ ونسبٍ وقوةٍ ومال، إلى خسارة كل شيء "؟!"
كانت عارفةً بالله، عالمةً بالكتب وبدين إبراهيم عليه السلام. لم تكن امرأةً عادية في مجتمع مكة، بل كانت نموذجًا لامرأةٍ مختلفة لا تجدها في كل بيتٍ في ذلك الزمن: امرأة عاملة، قادرة على إدارة التجارة والأموال، متعلّمة ومثقّفة بلغة اليوم، حين لم يكن هذا شيئًا اعتياديًّا في زمنها. "بمعايير هذا الزمن، مرأة بتخوف"
وحين نزل الوحي لأول مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاها مهرولًا. لم يذهب إلى صاحبٍ ولا رفيق، بل إلى المرأة التي صارت عماد هذا الدين، من بعده طبعا. دفعت العمر والمال والصحة في سبيل الوقوف بجانبه. ولم تكن ضعيفة الشخصية ولا الرأي، ولم تكن بحاجةٍ إلى مالٍ أو دعمٍ أو "حائطٍ تستند إليه"؛ بل كانت هي الملاذ والملجأ والمأمن الذي إليه يتزمّل ويتدثّر. فما صبرت هذا الصبر كلّه إلا لشيءٍ تعلمه في نفسها، وأعلمها الله به، وكانت أهلًا له.
كامرأةٍ مؤمنةٍ ومسلمة، في مجتمعٍ مسلمٍ يسيطر فيه الرجال على كل ما يتعلق بالدين، لا لشيءٍ في الدين نفسه، بل لشيءٍ في أنفسهم والله أعلم بالسرائر، أجد الملاذ في سيرة أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها، امرأةٌ غير اعتيادية. لم افهم قبلا لماذا هي المرأة الكاملة، لجهلي و كسلي.
هذا الدين، من بعد رسول الله، هو خديجة بنت خويلد، مثلما كانت المسيحية هي مريم بنت عمران، واليهودية هي آسية امرأة فرعون. هؤلاء النساء جميعًا ثبّتنَ الدين حين كان طريًّا هشًّا جديدًا وغريبًا، حين كان طفلًا يحبو. او لم يحب بعد، حقيقة لاا مجازا؛ فآسية عليها السلام كانت الملاذ لموسى عليه السلام و هو رضيع رماه البحر في قصر فرعون. لم يخرجن من ذلك كله بقوةٍ ورفعةٍ وممالك وسعةٍ في المال والولد والورث؛ خرجن منه بشيءٍ يعلمه الله ورسله.
" كم هوّنتِ صعبًا وحلتِ معضلًا، لتُثبّتي المختار فيما يُقلق قد صدّقتْه وآمنت وترفّقت، والناس عنه تباعدوا وتفرّقوا"
هي وحدها خديجة، من نزل أمين الوحي جبريل عليه السلام باسمها، مُبلّغها السلام من ربّ العزّة، ومبشّرها ببيتٍ في الجنة من قصبٍ لا صخب فيه ولا نصب. هي وحدها لا تُقاس بغيرها، رجالًا كانوا أم نساء، إلا وكان لها المكان الأشهق. ان الشريعة كمان نعرفها اليوم، بصلواتها الخمسة على سبيل المثال، و احكامها و فقهها، فُرِضت ليلة الإسراء والمعراج، اي قبل وفاة ام المؤمنين بست سنوات. ربما لم تصل خديجة بنت خويلد، المرأة الاعظم في التاريخ الاسلامي، مثل صلاتنا اليوم في شكلها و مظهرها، و لكنها اختيرت لما هو اجل و ابقى و اشرف. "آنى لمثلي ان يقوم بمدحها، بضاعتي في سوقها لا تنفق"
والفطنة لهذا الأمر مهمة جدًّا للنساء والشابات المؤمنات والمسلمات: أن الناس، وإن كانوا مسلمين متفقّهين متشرّعين، شيوخًا عارفين بالله، يظلّون بشرًا. ليسوا معصومين من الخطأ، وإلا لكانوا آلهةً أو أنبياء. ليسوا معصومين من التحيّزات المجتمعية والشخصية، ولا من ميل الدنيا وأمور الأنفس و السلطة و السيطرة. وفي ظل كثيرٍ من الفساد والإفساد في الرأي والتفسير، والعقل والنقل، وانعدام البصيرة والمدد والمحبة والحكمة وحُسن الظنّ بالناس وبالله، لن تجدي العزاء والطمأنينة والعزيمة والثبات إلا في سيرة خديجة بنت خويلد وأمثالها.
هذا الدين وقف على أرجله، مستندًا بإذن الله إلى محمد بن عبد الله، وإلى خديجة بنت خويلد التي اختارها الله لنصرة الدين العزيز، تُحيطه وتُطوّقه، حرفًا ومجازًا. وكنساء، لا بدّ أن يكون ما بنته أمنا خديجة حاضرًا في أذهاننا سلاحًا في وجه كل من يريد أن يقتصر هذا الدين عليه، ويُبعدنا عنه، ويجعل دورنا فيه هامشيًّا.
في السابقين إلى الهدى فخديجة، في رأس قائمة الهداة تحلّق
Comments
Post a Comment